تخطَّ إلى المحتوى
← العودة إلى Insights

الذكاء الاصطناعي: اللوديّة الجديدة

تنظيم تقنية تحويلية انطلاقًا من الخوف بدلًا من الفهم يكرّر خطأ اللوديين — فجودة التنظيم أهمّ من سرعته.

17 يونيو 2026 · Quantum Nexus Ventures FZCO

في عام 1811، بدأ عمّال النسيج في منطقة الميدلاندز الإنجليزية بتحطيم الأنوال الميكانيكية. لم يكن ذلك فعلًا غير عقلاني: فقد كانت الآلات تهدّد أرزاقهم ونقاباتهم وأسلوب حياتهم. وقد عمّدهم التاريخ باسم "Luddites" (اللوديين)، وعلى مدى قرنين استُخدم ذلك الاسم مرادفًا للتخلّف والخوف من التقدّم والمقاومة غير العقلانية للتغيير.

لكنّ هناك أمرًا يغفله التاريخ الشائع: لم يكن اللوديون جهلة. لقد كانوا حرفيين مَهَرة يدركون تمام الإدراك ما كان يجري. لم تكن مشكلتهم التقنية، بل الطريقة التي كانت تُستخدم بها تلك التقنية: لتركيز الإنتاج، وخفض الأجور، وإلغاء العمالة الماهرة لمصلحة أصحاب رأس المال. كان تحطيم الآلة صرخة سياسية، لا رفضًا للتقدّم.

وبعد مائتي عام، نشهد شيئًا مشابهًا. يولّد الذكاء الاصطناعي نقاشات تمزج الخوف الحقيقي بالتضليل، والحذر المعقول بالذعر التنظيمي، والأخلاق بالحمائية. وإغراء وصف من يبدي شكوكًا بأنه "لوديّ"، أو من يستخفّ بها بأنه "تِك-برو" (tech-bro)، يمنعنا من إجراء الحوار الذي يهمّ حقًّا.

المشكلة ليست الذكاء الاصطناعي

يجدر طرح فكرة غير مريحة: الذكاء الاصطناعي، في ذاته، ليس هو المشكلة.

المشكلة هي المخاوف التي نُسقطها عليه. مخاوف تكون في بعض الحالات مشروعة، وفي أخرى مجرّد انعكاس لعدم فهمنا جيدًا لما نراه. وحين لا تُفحص المخاوف بدقّة، تتحوّل إلى تنظيم. وحين ينبع التنظيم من الخوف بدلًا من الأدلّة، فإنه يُنتج بالضبط الآثار التي كان يُفترض أن يمنعها.

وصلت أحدث الحالات وأكثرها دلالةً في 16 يونيو 2026 من مجلس اللوردات البريطاني. وصفت Baroness Beeban Kidron أمرًا يستحقّ انتباهًا دقيقًا: منح رئيس الولايات المتحدة Anthropic أقلّ من 90 دقيقة لجعل أكثر نماذجها تقدّمًا غير متاحة للمواطنين غير الأمريكيين. وفي أقلّ من ساعة ونصف، قُطعت قطاعات بأكملها من الاقتصاد العالمي كانت قد بنت بنيتها التحتية على تلك الأدوات.

أطّرت البارونة الأمر بوصفه تهديدًا للأمن القومي البريطاني. وهي محقّة. لكنّ في تلك القصة شيئًا أبعد من ذلك: فالفعل نفسه دليلٌ على التنظيم الانعكاسي مأخوذًا إلى أقصى مداه. لا نقاش عامّ. لا عملية تشريعية. لا استشارة فنّية. تسعون دقيقة.

حين يحكم الخوف

هنا يتّضح القياس اللوديّ تمام الوضوح.

حطّم اللوديون الأنوال لأنهم كانوا خائفين. وكان الخوف مفهومًا. لكنّ عواقب ذلك التحطيم لم تحلّ المشكلة؛ بل أزاحتها وحسب. استمرّت المصانع. واستمرّت الأجور في الانخفاض. وكان التغيير حتميًّا. ما خسره اللوديون لم يكن المعركة ضدّ الآلة؛ بل الفرصة في تشكيل كيفية إدماج الآلة في مجتمعهم.

واليوم نواجه الخطر نفسه. إن نظّمنا الذكاء الاصطناعي انطلاقًا من الخوف بدلًا من الفهم، فلن نوقف تطوّر التقنية. بل سنحدّد فقط من يحظى بالوصول إليها ومن لا يحظى. وفي تلك اللعبة، يفوز من يملكون الموارد والبنية التحتية والقدرة الفنّية على التعامل مع التنظيم. أما من لا يملكونها فيُستبعدون.

لم يكن قرار تقييد الوصول إلى نموذج متقدّم مثالًا على التنظيم الحصيف. بل كان مثالًا على كيف يمكن للخوف من فقدان ميزة تنافسية تقنية أن يتحوّل إلى سياسة في 90 دقيقة. والمملكة المتحدة تستجيب، على نحو مفهوم، بالغريزة نفسها: بناء سيادة في الذكاء الاصطناعي، والتشريع بسرعة، ورفع الحواجز. وقد فعلت أوروبا ذلك من قبل بقانون الذكاء الاصطناعي (AI Act). وفعلته الصين قبل أوروبا.

فماذا لو كنّا جميعًا نكرّر خطأ اللوديين؟ ليس بمعنى معارضة التقنية، بل بمعنى التفاعل مع العَرَض بدلًا من تشكيل النظام.

ما لا يُقال هنا

لا يعني هذا أنّ الذكاء الاصطناعي خالٍ من المخاطر. إنّ له مخاطر. بعضها جسيم، وبعضها افتراضي، والأمانة الفكرية تقتضي عدم الخلط بينها.

ولا يعني أنه لا ينبغي تنظيمه. بل ينبغي ذلك، تمامًا كما ننظّم حركة المرور أو تصنيع الأدوية أو ممارسة الطبّ. فالتنظيم ليس عدوًّا للتقدّم؛ بل هو شرط لكي يكون التقدّم مستدامًا.

ما يُقال هو أنّ جودة التنظيم أهمّ من سرعته. وأنّ التنظيم المولود من خوف غير مفحوص يميل إلى أن يكون تنظيمًا سيّئًا: مُكلفًا، وغير دقيق، ويصعب التراجع عنه، بعواقب غير مقصودة تتجاوز تلك التي كان يُفترض أن يمنعها.

والمثال القانوني بليغ التعليم على نحو خاصّ. فالمحاكم في عدّة دول تُعاقب محامين على تقديم استشهادات قضائية ملفّقة بالذكاء الاصطناعي. وكانت الاستجابة التنظيمية الفورية لدى البعض: حظر الذكاء الاصطناعي في قاعات المحاكم. أما الاستجابة الأكثر معايرةً، التي تتبنّاها ولايات مثل New York وFlorida، فهي: اشتراط التحقّق. لا تحظر الأداة. بل أرسِ معيار المسؤولية المهنية الذي يجب الوفاء به عند استخدامها.

والفارق بين هاتين الاستجابتين هو الفارق بين التنظيم انطلاقًا من الخوف والتنظيم انطلاقًا من الفهم.

دعوة، لا خلاصة

لا أحد يملك الحقيقة عن الذكاء الاصطناعي. ولا أحد يملكها بعد. نحن في منتصف التغيير، لا في نهايته، واليقينيات التي نعبّر عنها اليوم بثقة مفرطة ستبدو لنا على الأرجح ساذجة بعد عقد من الزمن.

لكن ثمّة قناعة راسخة بشأن العملية: القرارات التي نتّخذها حول كيفية إدماج تقنية تحويلية لا ينبغي أن تُتّخذ في 90 دقيقة، ولا أن تُتّخذ انطلاقًا من الخوف، ولا أن تُتّخذ من دون الإصغاء إلى من يفهمونها فنّيًّا ومن يعيشون عواقبها العملية.

كان اللوديون محقّين في أنّ شيئًا مهمًّا كان على المحكّ. لكنّهم أخطؤوا في كيفية الاستجابة. ليس لأنهم كانوا جهلة، بل لأنهم تفاعلوا انطلاقًا من الخوف بدلًا من أن يتصرّفوا انطلاقًا من الفهم.

وبعد مائتي عام، يبقى السؤال نفسه: هل سنحطّم الأنوال، أم سنشكّل كيفية نسج القماش؟

هذا مقال رأي وقيادة فكرية. وهو لا يُعدّ استشارة قانونية أو مالية.