تخطَّ إلى المحتوى
← العودة إلى Insights

«الحكم» غير مُعرَّف في أي مدوّنة لآداب المهنة

وهذا ليس خطأً.

24 يونيو 2026 · Quantum Nexus Ventures FZCO

«الحكم» لا يرد في مسرد القواعد التي تحكم مهنة المحاماة.

لا في الـ Model Rules الأمريكية، ولا في الـ Estatuto General de la Abogacía الإسباني، ولا في مدوّنات آداب المهنة لمعظم نقابات المحامين التي اطّلعنا عليها. فالمدوّنات التنظيمية نفسها التي تُعرّف بدقة جراحية مصطلحات مثل «الموافقة المستنيرة» و«العلم» و«الاعتقاد المعقول» أو «عن وعٍ»، تترك «الحكم» دون تعريف. تستخدمه. وتستند إليه بوصفه أساس المهنة. لكنها لا تُعرّفه.المصادر: ABA Model Rules · Estatuto General de la Abogacía (BOE)

ليس هذا سهواً. بل هو قرار.

يعمل القانون منذ قرون بمفاهيم تستعصي على التعريف الدقيق: حسن النية، والعناية الواجبة، والمعقولية، والتناسب. لا نُعرّفها لأننا لا نستطيع ذلك دون أن نفقد شيئاً جوهرياً. فتعريفها يعني تجميدها. وما يجعلها مفيدة هو تحديداً قدرتها على التكيّف مع السياق، ومع الحالة المحددة، ومع الظرف الذي لم يتوقّعه أي مشرّع.

«الحكم» ينتمي إلى تلك الفئة. ولهذا فإن النقاش حول ما إذا كان لدى الذكاء الاصطناعي حكم قانوني مطروح بصورة خاطئة منذ البداية.

إذا لم يستطع أحد تعريف ما هو الحكم القانوني، فلا يمكن لأحد أن يثبت أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلكه. وإذا لم يستطع أحد أن يثبت أنه لا يمتلكه، فإن القول بأن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه ممارسة المحاماة لأنه «يفتقر إلى الحكم» هو قول دائري. إنه تحذير، وليس تحليلاً.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يمارس المحاماة دون إشراف. بل يعني أن الحجة الصحيحة ليست معرفية. إنها قانونية.

الحد الحقيقي ليس الحكم. بل المسؤولية.

يمكن مقاضاة المحامي البشري بتهمة الخطأ المهني. ويمكن أن تعاقبه نقابته. ويمكن أن يفقد ترخيصه. فهو يتحمّل عواقب شخصية ومالية ومهنية عن كل قرار يتخذه نيابة عن الموكّل. وسلسلة المسؤولية هذه هي ما يجعل العلاقة بين المحامي والموكّل تعمل، وليس وجود صفة معرفية غير قابلة للتعريف.

الذكاء الاصطناعي، اليوم، لا يستطيع تحمّل تلك السلسلة. ليس لأنه يفتقر إلى القدرة على الاستدلال، بل لأنه لا يوجد إطار يُسند إليه المسؤولية بطريقة مباشرة وقابلة للإنفاذ.

لكن ذلك الإطار قيد البناء. فشركات تأمين المسؤولية المهنية بدأت تسعّر مخاطر الأعمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ونقابات المحامين تُصدر إرشادات تُساوي بين الإشراف والمسؤولية. وعقود تقديم الخدمات القانونية بدأت تحدد أي الأدوات تُستخدم وفي أي ظروف. إن عدم تماثل المسؤولية بين البشر والأدوات ليس سمة دائمة للمنظومة. إنه مرحلة انتقالية.

إذاً، السؤال الذي يهم ليس هو ما إذا كان لدى الذكاء الاصطناعي حكم.

السؤال هو ما إذا كان المحامي الذي يستخدمه يمارس حكمه هو.

تشترط الـ Rule 2.1 وجود «independent professional judgment». وتشترط الـ 1.1 «legal knowledge, skill, thoroughness and preparation reasonably necessary for the representation». ولا تحظر أي منهما استخدام الأدوات. فكل المهن تستخدم أدوات. وما تشترطانه هو أن يكون المهني الذي يوقّع، والذي ينصح، والذي يمثّل، قد مارس تقديره على العملية وعلى النتيجة.المصادر: ABA Model Rule 2.1 · ABA Model Rule 1.1

المحامي الذي يفوّض للذكاء الاصطناعي دون مراجعة، ودون مقابلة، ودون أن يطبّق معرفته بالموكّل والسياق، يخالف تلك القواعد. ليس لأن الذكاء الاصطناعي سيئ. بل لأنه هو لم يؤدّ عمله.

المحامي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي كطبقة تحليل، ويتحقّق من مخرجاته، ويوفّر السياق الذي تفتقر إليه الأداة، ويتحمّل المسؤولية عن النتيجة، يلبّي بالضبط ما تشترطه القواعد. بأداة أقوى من تلك التي كانت لديه بالأمس.

يدور النقاش حول الذكاء الاصطناعي والحكم القانوني منذ عامين حول السؤال الخاطئ. ليس «هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحكم؟». بل «هل يحكم المحامي جيداً في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي؟».

لهذا السؤال الثاني جواب. والجواب يعتمد على كل مهني، وكل حالة، وكل قرار محدد.

تماماً كما كان الأمر دائماً.

هذا مقال رأي وقيادة فكرية. وهو لا يُعدّ استشارة قانونية أو مالية.